محمود بن حمزة الكرماني

9

البرهان في متشابه القرآن

ولم يتورعوا عن التعدي على أشخاصهم كما فعل كبيرهم ( معز الدولة بن بويه ) ( 334 - 356 ه ) حين اختلف مع الخليفة العباسي المستكفى ؛ إذ خلعه ( سنة 334 ه ) ، وسمل عينيه « 1 » وأسند الخلافة إلى المطيع ! ! وعامله معاملة الخدم ، ورتب له إقطاعات يسيرة يعيش هو وحاشيته على إيرادها - وبعد وفاة معز الدولة ( سنة 356 ه ) تولى السلطنة من بعده عز الدولة بختيار ( 356 - 367 ه ) الذي عزل الخليفة المطيع ( سنة 363 ه ) وولى مكانه الطائع ( 363 - 381 ه ) . ولولا أن البويهيين كانوا يدكون تمام الإدراك أن ضعف الخلافة العباسية أنفع لهم من القضاء عليها لأطاحوا بها وأسسوا خلافة شيعية . وقد انعكست آثار هذه الفوضى على الحياة العسكرية ؛ إذ اتجه ولاء الجيش لا إلى الدولة ولكن إلى العصبية ، فتعصّب البعض للديلم وناصروا البويهيين ، وتعصب الآخر للأتراك ورأوا أنهم أحق بالسلطة من الديلم ، وحين رجحت كفة الأتراك عاملوا البويهيين بنفس المعاملة التي عاملوا بها الخلفاء ، ومنذ تدخل الجيش في الشؤون الداخلية دخلت الخلافة ومعها الدولة في غرفة الإنعاش ، ولم يخرجا منها إلا لظهور قوتين جديدتين في التاريخ الإسلامي كان لهما أبعد الأثر في الحقلين السياسي والديني ، بل في التاريخ الإسلامي كله في ذلك الوقت هاتان القوتان هما : قيام الدولة الغزنوية « 2 » ( 366 - 582 ه ) : فقد مهد قيام هذه الدولة للقضاء على البويهيين ؛ إذ قام أقوى سلاطينها الفاتح محمود الغزنوي ( 388 ه - 421 ه ) بطرد السامانيين من خراسان ( سنة 389 ه ) ، ثم قضى على البويهيين في الري والجبال « 3 » ، ولولا أن فتوحات هذه الدولة الفتية قد اتجهت مشرقة نحو الهند لكان للغزنويين شأن آخر مع البويهيين . استفادت الخلافة العباسية من الغزنويين في حماية خراسان من غارات الغزّ التركمان الذين لم يكفوا عن الغارة عليها حتى وقعت أخيرا تحت حكم السلاجقة - ومن ناحية أخرى قام الغزنويون بتمشيط الولايات الخاضعة لنفوذهم من خصوم الخلافة من أهل الفرق مثل الرافضة والإسماعيلية ، ولم يكتف السلطان محمود الغزنوي بالتنكيل بهؤلاء ، بل وأمر بلعنهم على المنابر .

--> ( 1 ) أي فقأهما : وهي عقوبة اعتادها التتر ومن والاهم من الشعوب . ( 2 ) أسسها سبكتكين صهر أمير غزنة وامتد حكمه من ( 366 ) إلى ( 387 ه ) ، واتخذ غزنة مقرا للدولة وتقع جنوب كابول عاصمة الأفغان حاليا . ( 3 ) تقع بلاد الجبال جنوبي أذربيجان ( غرب بحر طبرستان ) وتشمل ما يسمى بالعراق العجمي في ذلك الوقت ومن مدن هذا الإقليم شهرزور ، همدان ، أصبهان .